صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

107

أنس المسجون وراحة المحزون

وقال آخر : الذي كان يقود الجنود في دار عزّه ، اليوم تشيّعه تلك الجنود إلى دار مذلّته . وقال آخر : هذا الذي قتل النّفوس يرجو الرّاحة ، فاليوم يجدها أمامه تطلبه . وقال آخر : لئن كان المطلوب غفل ، فما أغفل الطالب . وقال آخر : هذا الذي كان عدوّه يكره قربه ، فخاصّته اليوم لقربه أكره . وقال آخر : هذا الذي يندم على ما فاته من الدّنيا ، فهو اليوم على ما أدرك منها أندم . وقال آخر : هذا الذي تخلّفت عنه آثاره ، ولحقت به أعماله . وقال آخر : ارفعوا أصواتكم أيّها الحكماء بالمواعظ ؛ فإن الإسكندر لا يسمع ، ولعلّ الصّمّ يقدرون أن يسمعوا . وقال آخر وهو رأس الحكماء : أيّها العزيز أمس ، والذليل اليوم ، كأنّك لست صاحبي أمس . أهلك صحبوك ظاعنا ، وفارقوك مقيما . لئن كان الإسكندر نسوه ، فما أصبح يذكرهم . بئس الورثة ورثتك ، أخذوا مالك وتركوا الأثقال عليك والذّنوب . بئس الخلّان خلّانك ، تبعوك سالبا ، وفارقوك مسلوبا . بئس الجنود جنودك ؛ نصروك آمنا وخذلوك خائفا ، بئس الحصون حصونك بنيت لجندك ، حصّنتها لمن تحتك وسهّلتها لمن فوقك . بئس الخزن خزّانك ، ائتمنتهم على مالك وشهدوا به لغيرك لما قبضت ، للعواري بدت عاريتك . كانت دنياك العريضة لا تملأ بطنك ، وأنت اليوم في بطنها . هذا صارع الجبابرة أصبح مصروعا . لقد استبدلت بتاج الملك دار الفناء . كان تاجرا رابحا فأصبح اليوم قد خسر نفسه . ما أسرع ما هاجت الزّهرة ونضجت الثمرة .